الدراما الشعرية: النص ينهل من نبع التاريخ

0
الدراما الشعرية: النص ينهل من نبع التاريخ.

الدراما الشعرية: النص ينهل من نبع التاريخ.

الذاكرة العربية في غالبها ذاكرة شعرية، كما أن المسرح بدأ شعراً.. مسرحاً شعرياً، ثم كُتب له شعراً مسرحياً، ثم غلب أعماله النثر. وفي هذا وذاك يبقي أن الدراما الشعرية وفيّة للتاريخ، والتاريخ من أشهر الفنون التي برع فيها العرب.

مع النهضة العربية الحديثة واتصال الثقافة العربية بالغربية، والانفتاح عليها، كانت المسرحية من القوالب الأدبية التي عظم الاهتمام بها ، فأنشئ في عهد الخديوي “إسماعيل” مسرح الكوميدي سنة 1869 م، كما أنشأ دار الأوبرا المصرية القديمة ، ومثلت عليها ولأول مرة في الشرق أوبرا عايدة “لفرداي” الإيطالي.
ولكن أول من أدخل الفن المسرحي في البلاد العربية كان مارون نقاش ، اللبناني الأصل ، وقد اقتبسه من إيطاليا حين سافر إليها سنة 1846 م ، وكانت أولى المسرحيات التي قدمها للجمهور العربي في لبنان ، مسرحية (البخيل ) للكاتب الفرنسي / موليير ، وكان ذلك في أواخر سنة 1847 م. غير أن هذا الفن لم يقابل في أول الأمر بترحاب أو تشجيع.
أما في مصر فأول مسرح عربي هو الذي أنشأه “يعقوب صنوع”، والمعروف بأبي نظاره، وذلك سنة 1876 م ، وقد مثل خلال سنتين على مسرحه هذا ما يقرب من 32 مسرحية بين مقتبس من الأدب الغربي صبغه بأسلوبه صبغة محلية، وما بين موضوع يعالج المشكلات الاجتماعية، وكانت اللهجة العامية هي الغالبة على مسرحياته.
وفي أخريات سنة 1876 م ، وفد “سليم النقاش” ابن شقيق “مارون النقاش”(1917-1885)، تصحبه فرقة تمثيلية أخرجت مسرحيات مارون النقاش، وأضاف إليها مسرحية (هوراس) للفرنسي / كورني ، ومسرحية (ميتردات) لراسين، ثم استدعى إليه من لبنان صديقه / أديب اسحق لشد أزره، وكان أديب قد ترجم من قبل مسرحية (أندروماك) لراسين، ثم ترجم مسرحية (شارلمان) التي أعجب بها المصريون.
ولما جاء “أبو خليل القباني”(1836-1902) من دمشق إلى مصر سنة 1884 م مع فرقته التمثيلية ، دخل المسرح العربي في طور جديد، لأن القباني اعتمد على التأليف المسرحي مستمداً موضوعاته من التاريخ العربي والإسلامي ، ومن التراث القصصي الشعبي مثل حكايات ألف ليلة وليلة وغيرها ، فمثلت فرقته مسرحيات: (عنترة) و(الأمير محمود نجل شاه العجم) و (ناكر الجميل) و (نفح الربا)، و(الشيخ وضاح).. وغيرها . وقد كتب القباني مسرحياته باللغة العربية الفصحى المسجوعة على طريقة المقامات العربية التي شاعت في العصر العباسي ، وخلط فيها النسر المسجوع بالشعر ، وقلده في هذه الطريقة عدد كبير من الأدباء.
وتُعد مسرحية (المروءة والوفاء) 1870م، التي كتبها “خليل اليازجي”(1856-1889) من أوائل الأعمال المسرحية الشعرية، وهي تردد حكاية مشهورة عن “النعمان بن المنذر” ملك الحيرة، ويومي بؤسه ونعيمه، ووفاء العربي.. مصورا الانفعالات والمشاعر بحيوية وبراعة. ويضاف إلي هذه الأسماء الشيخ “عبد الله البستاني” (1854-1930) وخاصة مسرحيته:(فضل هيرودوس لولدية)
جاءت مسرحيات أمير الشعراء “أحمد شوقي” (1868-1932) لتمثل فتحاً جديداً، وريادة فنية .. شكلاً ومضموناً، وله منها: “علي بك الكبير” في عام 1893، وقد ألفها وهو طالب في فرنسا ورغم العناية التي بذلها لإتمامها، فإنه لم يخرجها إلى النور، لعدم رضائه عنها، فأعاد كتابتها عام 1932 قبيل رحيله عن العالم. وبقي هاجس المسرحيات يتفاعل في خاطر “شوقي” حتى سنة 1927 حين بويع أميرا للشعراء, فرأى أن تكون “الإمارة” حافزا له لإتمام ما بدأ به عمله المسرحي، وسرعان ما أخرج مأساة تاريخية أخري هي (مصرع كليوباترا) التي كتبها سنة 1927م. كانت ثالثة تلكم الروائع التاريخية: (قمبيز) سنة 1931م. ثم هناك من التراث الشعبي (مجنون ليلى)، و(أميرة الأندلس)1932 م، في نفس العام الذي كتب فيه مسرحيته (عنترة). ومن المسرحيات التي تعكس الواقع الاجتماعي المعاصر للشاعر كتب مسرحيتين هما:”ا(الست هدى)، و(البخيلة).
لقيت مسرحيات شوقي استحساناً وقبولاً عند الجمهور العربي وخاصة أن الذاكرة العربية في غالبها ذاكرة شعرية، كما أنه تفاعل إيجابياً مع هذا الشكل المسرحي كونه طرح العديد من القضايا الاجتماعية بمذاق تاريخي. ولقد صاغ “شوقي” مسرحياته في قالب شعري، عدا مسرحيته (أميرة الأندلس) التي كتبها نثراً، كما أنها تستوحي موضوعاتها من التاريخ، عدا ملهاته (الست هدى) ، فإنها تصور موضوعاً اجتماعياً من الحياة العصرية. ولقد تميز مسرح “شوقي” بالأسلوب العربي الرصين، والحبكة الفنية والجمالية، وسفور واضح لشخوص مسرحياته، وتناسب لغة أعماله بما يتفق معها.
أما (شجرة الدر)، و(قيس وليلى)، و(العباسة)، و(غروب الأندلس)، و(الناصر) وغيرها مسرحيات لـ “عزيز أباظة”(1899-1973).. حيث مسرحياته أكثر حركة، وأكثر اقتراباً من روح الشخصيات.
ولقد أثمرت جهود “علي أحمد باكثير” في إثراء صياغة الدراما الشعرية. تأثر ” باكثير” بـ”شوقي” في مسرحية”همام أو في عاصمة الأحقاف”. ثم توقف ليدخل مرحلة أخري يوظف فيها الشعر المرسل المعتمد علي التفعيلة، في “إخناتون، ونفرتيتي” ، وعدد من المسرحيات المترجمة والمُعالجة بالعربية.
في خمسينيات وستينيات القرن الفائت ساير حركة التأليف المسرحي نشاط صحفي وأكاديمي نقدي، كان من أعلامه: محمد مندور، وعلي الراعي، وعبد القادر القط، وأحمد عباس صالح.. الخ كما نشطت حركة ترجمة الأعمال المسرحية الأجنبية إلى اللغة العربية، سواء كانت نصوصاً عالمية، أو دراسات و بحوثاً .
لقد خطا “عبد الرحمن الشرقاوي”(1920-1987م) خطوات أبعد من تلكم التي خطاها “باكثير” في الدراما الشعرية، ضمن إطار (الشعر الحر المُرسل، والاهتمام بالنضال الوطني للاستعمار). حيث كتب ” الشرقاوي” (مأساة جميلة)(1962)، و(الفتى مهران)(1966)، و”وطني عكا”(1969)، و” ثأر الله” (الحسين ثائراًً، والحسين شهيداً)(1970م)، و”صلاح الدين”(النسر والغربان، والنسر وقلب الأسد)(1976)، و”عرابي زعيم الفلاحين”، و”تمثال الحرية” (مسرحية من فصل واحد).
لم يتجه “صلاح عبد الصبور”(1931-1981) إلي كتابة الدراما الشعرية إلا بعد خوضه طويلاً في غمار الشعر الجديد، الذي مهد له الطريق ليترك بصماته علي الدراما الشعرية: “سلاسة ومرونة، ولغة درامية مركزة نحو التعبير المقنع عن حياتنا الواقعية المعاصر”(د. أحمد سخسوخ: الدراما الشعرية بين النص، والعرض المسرحي،الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2003، ص 59-60). ولعبد الصبور مسرحيات خمس: (مأساة الحلاج)(1964)، و(ليلى والمجنون )(1970)، و(الأميرة تنتظر)، و(ومسافر ليل)، و( بعد أن يموت الملك) وقد كتبها جميعاً عام 1973.
يأتي “فاروق جويدة”(1945) وقد دخل المسرح، مثل “الشرقاوي، وعبد الصبور” شاعراً فله سبع عشرة مجموعة شعرية ومسرحيات أربع هي: (الوزير العاشق)(1981)، و (دماء على أستار الكعبة)، و(الخديوي)(1993)، و”هولاكو”(2000).
وتتواصل جهود “محيي الدين البرادعي”(له أكثر من عشرين مسرحية منها “المؤتمر الأخير لملوك الطوائف”، و”دمر عاشقاً”، و”معين بسيسو” في مسرحية “ثورة الزنج”، و”العصافير تبني أعشاشها بين الأصابع”، و”سليمان العيسى” في مسرحية “ابن الأيهم”، وهاشم هارون مسرحية “السؤال”، و “سهيل إدريس” في “زهرة من دم”، وهناك أيضاً “أنس داود” في مسرحيتيه (الشاعر) و(الصياد)، و”علي عقلة عرسان” في “الفلسطينيات”، ويسرى الجندي “وا قدساه” الخ. وفي ذات الشأن هناك أعمال: “محمد الفيتوري”، و”محمد إبراهيم أبو سنة”، و”محمد مهران السيد”، و”حسن فتح الباب”، و”عبده بدوي”، ود. “نذير العظمة”، و”منذر الجبوري”، و”محمد الشرفي” وغيرهم من الكتاب العرب وإبداعاتهم الحاضرة بقوة في الدراما الشعرية.

المسرح الشعري .. وفياً للتاريخ

قد يكون دافع الاستلهام التاريخي إحساس الكاتب وشعوره:” :” بأن هذا المصدر التاريخي ـ التاريخ مرآة الأمم، العاكس لماضيها, والمُترجم لحاضرها، ومصدر الإلهام لمستقبلها ـ قادراً على أن يمنح نصه الإبداعي طاقات ودلالات تعبيرية لا حصر لها، لأن معطيات التراث لها كثير من التبجيل في نفوس الأمة. والكاتب الدرامي المسرحي يقوم بتوظيف هذا التراث لمخاطبة وإثارة وجدانها، لما للتراث من حضور حي ودائم في وعيها الجمعي”.‏
فمسرحية “المروءة والوفاء” لليازجي قد اتخذت التاريخ العراقي القديم مصدراً لها، حيث استدعى فيها الكاتب شخصية النعمان بن المنذر، الذي حكم منطقة الحيرة في القرن السادس الميلادي. وأثرى أحمد شوقي هذا التقليد وأغناه في “كليوباترا”، و”مجنون ليلى”، و”قمبيز”، و”عنترة”، واقتفى آثاره طائفة من الكتاب العرب، الذين اتخذوا أعماله أنموذجاً للمتابعة والاحتذاء، سواء على مستوى الشكل (الشعر الإحيائي)، أو على مستوى المضمون (التاريخ).‏
ورغم التطور الذي شهده المسرح الشعري، لاسيما في المرحلة المعاصرة، إلا أن التاريخ ما زال هو المصدر الذي يؤثره معظم كتاب هذا اللون من التعبير، فلم يخرج الجيل الذي حمل لواء المسرحية الشعرية بعد شوقي عن هذا التقليد الفني، والتزم به “عزيز أباظة” في “شجرة الدر”، و”غروب الأندلس”، و”الناصر”، و”العباسة”، وكذلك “عدنان مردم بك” (وله نحو عشر مسرحيات) منها “الحلاج”، و”رابعة العدوية”، و”الملكة زنوبيا”، و”القزم”، و”غادة أفاميا”،و”دير ياسين”، و”فلسطين الثائرة”. فكانا صورة “لشوقي”، وامتداداً له، وإن كانا دونه.. موهبة وقتدارأً، وخير من مثل المسرحية الشعرية التقليدية بعده.‏
لقد وقف الاستلهام من التاريخ ، المصدر الثري، في بعض الأقطار العربية وراء تألق العديد من النصوص المسرحية، مثل مسرحية “المأمونية”، لأحمد سليمان الأحمد، و”الإزار الجريح”، لسليمان العيسى، و”حكاية الأيام الثلاثة”، للدكتور عمر النص، ومسرحية “أحلام ودموع”، لمعروف الأرناؤوط.‏
أنها علاقة الوطيدة ظلت لفترة طويلة مميزة لحركة المسرح الشعري، وأحد تقاليده الفنية. فكتاب التاريخ زاخر بالأحداث والشخصيات والعبر المؤهلة، لأن تكون مادة لنص مسرحي جيد، فعن حوادث الحب والغرام، حفظت الكتب التراثية أخبار عبلة وعنتر، وليلى والمجنون، وعزة وكثير، وعروة وعفراء الخ. وعن مواقف العزة والشهامة والكبرياء، سجل التاريخ ـ بأحرف من ذهب ـ أسماء المعتصم، وهارون الرشيد، وصلاح الدين. وعن الدهاء والمكر، هناك صفحات تحكي عن دهاء معاوية، ومكر عمرو بن العاص، وأخرى تروي ورع وتقوى أبو بكر، وعمر، وعثمان، وأبي ذر، ورابعة، والحلاج، وابن الفارض. وعن جبروت الأفراد، حدثنا عن الحجاج بن يوسف، وزياد بن أبيه، وأبي مسلم الخراساني، ونكبة البرامكة، وآل طاهر.
إجمال القول: إن الشعر لم يتخل عن الدراما عبر عصورها المختلفة إلا يسيرا. في حين ظل المسرح الشعري العربي وفياً للتاريخ (من عصر ما قبل الإسلام، إلى المرحلة المعاصرة)، يؤثره ويفضله، وينهل من نبعه الفياض، ويتجول في فيافيه الشعراء بحرية فائقة، وبقراءة عصرية. ولعل ذلك يرجع لاعتبارات فنية وجمالية، قوامها: يسر ومرونة التشكيل الفني. فالمؤلف يعود إليه ليجد الأحداث مهيأة، فيحسن اختيارها، والشخصيات جاهزة، معروف خصائصها، وما عُرف عنها فيعرضها لنا، والحبكة متوافرة، والصراع لذروته، والحل شائعاً وميسوراً. ويبقي أن الكاتب يعبر بذلك “الحدث المُنتخب” عن رؤيته الفكرية، والنفاذ من خلالها للتعبير.. تشكيلاً لغوياً، إيحاء ومماثلة، عن رؤاه لقضايا ومشكلات عصرية.

 

 

بقلم: أ.د./ ناصر أحمد سنه ..كاتب وأكاديمي من مصر
E.mail:nasenna62@hotmail.com

التعليقات مغلقة.